أبي طالب المكي

84

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

بينهما أن البلاء من أخلاق المبلي وهو الله تعالى المبتلى . فلما ذكر محبته أخبره بالبلاء ليصبر على أخلاقه . كما قال تعالى : * ( ولِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ) * [ المدثر : 7 ] . فدل على أحكامه وبلائه ، والفقر من أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما ذكر محبته دله على اتباع أوصافه ليقتفي آثاره لقوله عليه السلام : أحيني مسكينا وأتني مسكينا واحشرني في جملة المساكين . ومن علامة المحبة كثرة ذكر الحبيب ، وهو دليل محبة المولى لعبده وهو من أفضل مننه على خلقه . وفي الخبر أنّ لله في كل يوم صدقة يمنّ بها على خلقه ، وما تصدق على عبد بصدقة أفضل من أن يلهمه ذكره . وفي حديث سفيان عن مالك بن معول قيل : يا رسول الله ، أي الأعمال أفضل ؟ قال : اجتناب المحارم . ولا يزال فوك رطبا من ذكر الله . وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة الذكر لله كما أمر بمحبة الله ، لأن الذكر مقتضى المحبة فقال : أكثر من ذكر الله حتى يقول الناس إنك مجنون . وقد روينا : أكثروا من ذكر الله حتى يقول المنافقون إنكم مراؤن . وفي حديث أبي سلمة المدني عن أبيه عن جده : أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إلى مسجد قباء ، فذكر حديثا فيه طول قال في آخره من تواضع لله رفعه ومن تكبر وضعه ، ومن أكثر ذكر الله أحبه الله . وقد أخبر أنّ الذاكرين هم السابقون المفردون ، ورفعهم إلى مقام النبوّة في وضع الوزر ، ورفع الذكر إن كان الذكر موجب الحبّ في قوله : سيروا سبق المفردون . قيل : من المفردون ؟ قال : المستهترون بذكر الله . وضع الذكر عنهم أوزارهم يردون القيامة خفافا . ومن أعلام المحبة : حبّ لقاء الحبيب على العيان ، والكشف في دار السلام ومحل القرب وهو الاشتياق إلى الموت ، لأنه مفتاح اللقاء وباب الدخول إلى المعاينة . وفي الحديث : من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه . وقال حذيفة عند الموت : حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم . وقال بعض السلف ما من خصلة أحبّ إلى الله تكون في لعبد بعد حبّ لقائه من كثرة السجود ، فقدم حبّ لقاء الله وقد شرط الله لحقيقة الصدق القتل في سبيله ، وأخبر أنه يحب قتل محبوبه في قوله تعالى : * ( إِنَّ الله يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ ) * [ الصف : 4 ] . بعد قوله تقريرا لهم : لم تقولون ما لا تفعلون ؟ حيث قالوا : إنّا نحبّ الله ، فجعل القتل محنة محبته وعلامة أخذ مال محبوبه ونفسه . إذ يقول تعالى : * ( يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ ) * [ التوبة : 111 ] . وفي وصية أبي بكر لعمر رضي الله عنهما : الحق ثقيل وهو مع ثقله مريء ، والباطل خفيف وهو مع خفته وبيء ، فإن حفظت وصيتي لم يكن غائب أحبّ إليك من الموت وهو مدرك ، وإن ضيعت وصيتي لم يكن غائب أبغض إليك من الموت ولن تعجزه . وكان الثوري وبشر بن الحرث يقولان : لا